مشروع إنمائي لمساعدة النازحين على أطراف الجنوب السوري… لقمة العيش «مُرّة» في خيم الجوع المعزولة على أطراف الجنوب السوري

يلتفّ الآن مطر وخابور وخضرة وخير وبليخ حول مدفأة الحطب في خيمتهم، ويحلمون بدفء بيوتهم الطينيّة التي هجروها، ويتمنون أن يأخذوا من أسمائهم النصيب، قبل أن يصيروا إخوة لعطشان وعامل ونازح وجائع ومنبوذ.

ضحك خابور وإخوته حين سألتهم رولا أسد عن ملابسهم الشتوية، لأن الفرق معدوم بين البرد والحر في خيامهم الهزيلة. هذا الضحك الذي قصّته رولا، خلق فكرة حملة: «أكياس الدفء».

انتشرت بعدها عدّة عبارات على صفحات موقع الفيس بوك للإعلان عن الحملة التي وزّعت حقائب شتاء دافئة، لتمنع برد الشتاء عن الأطفال النازحين الذين هربوا مع عائلاتهم من جفاف الجزيرة السورية في محافظات «الرقة، ودير الزور، والحسكة» إلى تشرد متعدد المناطق، للعيش في مجتمعات بؤس وغربة في أرياف دمشق، ودرعا، وحمص، مع ستين ألف عائلة أخرى، بعد أن جفّت السماء هناك، وحكمت عليهم الجهات الرسمية السورية بالنسيان.

الأطفال هم الهدف الأول للحملة التي أسسها عامر عثمان المطر ورولا أسد، ثم شملت أكياسها النساء والرجال أيضاً، فوزّعت على دفعتين 800 كيس في تسعة مخيمات في مناطق تبعد 50 كلم عن دمشق: «سعسع وكناكر ورسم الطحين».

هذه الحملة ضمن نشاطات كثيرة عملت عليها مجموعة: «الجزيرة السورية» التي بدأت نشاطاتها المهتمة بالكارثة منذ سنة تقريباً. إذ بدأت على شكل حملات على موقع الفيس بوك، كحملة: «لا… لظلم وإهمال الجزيرة السورية»، وانتقلت إثرها إلى الواقع.

يبدأ المطر بسرد تفاصيل اليوم الأول في المخيمات: «هرب الأطفال عند دخول السيارة إلى المخيم، كأنها وحش يتجه نحوهم. اختبؤوا داخل الخيام، يخافون أن يسرق الغرباء عيونهم؛ لبيعها. فهم معزولون عن العالم، لا يعرفون حتى أسماء بعضهم البعض، رغم تجاور خيامهم».

يضيف: «كانت بداية العلاقة من الأطفال صعبة، لا أعرف كيف يمكن أن تقنع طفلاً جائعاً بالتعلّم؟ كيف أستطيع إقناعهم بالمشي نحونا، وهم حفاة! لا أعرف».

تلك الجولة كانت استكشافية للبدء في المشروع الأول «الحبابين» الذي درّس 60 طفلاً وطفلة في مخيم سعسع، وتوقف بعد خمسة أشهر لانتقال سكان المخيم إلى مناطق متفرقة، ولظروف منعتهم من تدريس بقيّة أطفاله. إذ كتب أحد أفراد المجموعة على صفحتهم على الفيس بوك عن ما جرى معهم: «حمل شيخ عصاه ومشى نحونا في المخيم الآخر… ضرب الأطفال المتجمعين حولنا بالعصى عند وصوله، ليطردهم… قبل السلام، قال إنه هُدد بسببنا، وإنه سيصفح عنا هذه المرة، ولن يخبر الجهات أننا الآن أمام خيمته، على الرغم من تهديدهم له».

 

عنهم

أمّا الكبار في المخيمات، فيعملون كل الصيف والشتاء؛ النساء في الزراعة، والرجال في البناء وأي عمل يحتاج لجهد عضلي، متنازلين عن كل شروط الحماية من حرائق الشمس وصقيع الشتاء من أجل لقمة العيش.

وفي كل مخيم «شاويش»، يؤمّن فرص العمل لهم، ويأخذ من أجورهم حصّة قدرها نصف دولار عن كل يوم عمل، ويعطي للعاملة ما يقارب الثلاث دولارات ونصف الدولار، أما العامل فتصل أجرته إلى خمسة دولارات ونصف الدولار في أيام العمل المؤقتة.

أهالي مخيم كناكر مثلاً، يتبعون فقط لأبو فايز، ابن عمهم، الشاويش الذي يسكن في خيمتين مع زوجتيه وأطفاله الستة عشر. تتوسطهما مدفأة الحطب المخزّن «لأن البرد يمنعنا أحياناً، من الخروج في سبيل الحطب، وخاصة أنه على بعد 4 كم من منطقتنا»، بحسب تعبير أبو فايز.

على حطبهم، يطبخون أيضاً، بعض الخضار من الأراضي التي يعملون فيها، أو يأكلون في غياب حتى الخضار، الخبز والشاي، فتركت هذه الوجبات آثاراً على أجسادهم. بينما تتكفل الإحصائيات بتأكيد الجوع على من بقي في الجزيرة، فحالات سوء التغذية الناجمة عن الفقر، زادت بنسبة 370% في الحسكة، و67% في الرقة، و229% في دير الزور.

أما أرض المخيم، فلها أجر يرتفع وينخفض تبعاً للمكان. لكن سُمح لنازحي كناكر بالإقامة مجاناً، طالما أنهم يعملون عند مالكي الأرض، بينما لم يحظ أهل المخيمات الأخرى بهذه الميزة واضطروا لدفع إيجار أرض ينصبون عليها خيامهم.

ويمكن القول، إن السياسات الزراعية غير المجدية وغير الذكية هي السبب الرئيسي لهذا الوضع. إذ لا تزال الأساليب الزراعية في الجزيرة بدائية تقريباً، والقوانين الزراعية تحتاج إلى إصلاح. و«يستطيع كل مزارع في الجزيرة أن يصف نفسه بالمظلوم، لأنه متروك لرحمة الغيوم والمصارف الزراعية» بحسب تعبير عامر عثمان المطر.

فزيادة أسعار المحروقات كانت بمثابة ضربة قاضية على الزراعة في سوريا وفي الجزيرة على وجه الخصوص، لذلك انطفأت أحلام 300 ألف سوري، متروك للبرد والنزوح.

كما تُرك القمح السوري للموت. إذ انخفض إنتاج سوريا للقمح بما يقارب 800 ألف طن خلال 3 سنوات فقط بسبب الكارثة. بحسب أرقام رسمية. كما تركت الثروة الحيوانية للزوال.

كما أن سقاية الأراضي الزراعية في الجزيرة السورية بمياه الصرف الصحي من دون معالجة أسهمت في تدهور 59% منها.

وقدرت الأمم المتحدة عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر في تلك المناطق بنحو 800 ألف نسمة، 190 ألفًا منهم يأكلون من مساعدات البرنامج الغذائي، و110 آلاف منهم يحلمون بما يسد الرمق.

ويؤكد تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الحق في الغذاء، في زيارته الأخيرة لسوريا، أن الكارثة أثرت في 1,3 مليون إنسان، أكثرهم من المزارعين الصغار الذين تفاقمت حالتهم عام 2010 بسبب مرض «الصداء الأصفر» الذي أصاب إنتاج القمح، والرعاة الذين فقد الكثير منهم نحو 80-85% من مواشيهم منذ العام .2005

 

ما بعد الحبابين

الحجم الشاسع للكارثة، وتورّط الحبابين عاطفياً بأطفال المخيمات، دفعهم لإقامة معرض حمل عنوان: «مُؤقّت». بحسب تعبير رولا أسد. وتضيف: «هو أول معرض في سوريا يوثّق مأساة الجزيرة».

قدّم «مُؤقّت» في 3 أغسطس 2010 أكثر من 22 صورة فوتوغرافية لأطفال حملوا معهم لون قراهم الترابية في تجاعيد وجوههم وقماش خيمهم… بعد أن رحلوا إلى غربة قصوى، وتركوا بيوتهم للعجاج والأشباح.

أيضاً عملت مجموعة «الجزيرة السوريّة» على حملات صحافية نشرت أثناءها أخبارا وتحقيقات وصورا عن الكارثة في العديد من الصحف والمجلات السورية والعربية، وساهمت في تزويد الصحافيين بالمعلومات والصور التي تلزمهم للكتابة عن القضية.

بعد المعرض والحملات اقترب عيد الفطر، وكانت دمشق تضجّ بالأطفال الفرحين بلباس العيد والألعاب، وعلى بعد نصف ساعة يقبع البؤس والأيام المتشابهة في المخيمات التي يحلم كل طفل فيها بلعبة، أي لعبة…

 

لذلك بدأ التخطيط لحبّك هذا الحلم وتحقيقه في نشاط حمل اسم: «حمل العيد على المخيمات». بدأت الحملة بعبارات نشرت على صفحاتهم على الفيس بوك: «لإن خيمهم بعيدة عن العيد والفرح، سنحمله إليهم على شكل ألعاب وعلب معمول. ساهموا معنا في حمل العيد لأطفال نازحي الجزيرة السورية».

«مبادراتٌ كثيرة رسمت خريطة صحيحة للحلم إلى المخيّمات» بحسب رولا أسد، وتضيف: «جمعنا مبلغا ماليا تجاوز كل التوقّعات، وصل إلى أكثر من ألفي دولار».

استغرق العمل أسبوعا لجمع التبرعات وشراء الأغراض، وانتهى بأن صار لكل طفل كيس بنفسجي فيه: ثلاث سيارات جبلية وقبعة وطابة جنيّة وعلبة بسكويت، ولكل طفلة كيس أحمر فيه: باربي مع فستان وقيعة و12 ربطة شعر وعلبة بسكويت، ولكل خيمة علبة معمول.

تقول رولا: في مخيم كناكر لم تكن إحدى العجائز تعرف أن العيد غداً، وفي مخيم آخر ضحكت صبية بشدة حين سمعت بكلمة عيد.

اليوم، بعد الحبابين، ومؤقّت، والحملات الإعلامية، وحمل العيد إلى المخيمات، وأكياس الدفء، تعمل مجموعة الجزيرة السورية على تدريس أطفال مخيمين ضمن مشروع: «مدرسة للمخيمات»، وتعمل على مشروع «معك بتعلّم» الذي يساند الأطفال، ويكفل استمرارهم في الدراسة، وعلى تأسيس موقع إلكتروني متخصص في الكارثة.

يؤكد المطر، أن لديهم أكثر من تسعة مشاريع للعام الجاري .2011 لا يمكن البدء ببعضها إلا بعد الحصول على ترخيص لجمعيّة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السوريّة، ويخشى الوقوع في دوامة روتين قدّ يؤخّر البدء بالمشاريع التي تطمح لتنمية المنطقة الشرقيّة، وتأمين فرص عمل لأبناء الريف فيها، ومساعدة النازحين للعودة إلى قراهم التي هجروها.
دمشق ٢٠١٠

 

صورة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s