مسوخ القهر السوري المتكررة… محمد عمران: ” تحررني رسوماتي من الخوف القديم”

عامر مطر- باريس:
مسوخ متعددة بملامح طاغيّة واحد، تخرج في عشرات اللوحات، كما تخرج في كوابيس الأطفال السوريين الآن. يرسم الفنان محمد عمران، ملامح من الذاكرة الجمعيّة للشعب السوري، ووقائع اللحظة التي تشبه فرّامة اللحم.
هيمنت ملامح الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، على شخوصه التي تعيش في مساحة الرعب الكوميدي التي رسهما منذ بداية الثورة السورية في 15 آذار من السنة الماضية.
كانت الفكرة غريبة للمتلقي، أن يكرر عمران رسم رأس رئيس ميّت، على خلاف كل لوحات الثورة التي تحمل وجه الرئيس الحالي بشار الأسد. ربما للأمر سببان بحسب تبريره: ” الأول أن ذاكرتنا كسوريين ما زالت طازجة، والثاني يتعلق بالحضور الطاغي للرجل، فهو الدكتاتور والأب والمعلم… كما كرروا نصف هذا لآلاف المرّات في مدارسنا”.
ويرى أن ملامحه وخصوصاً جبهته الكبيرة، مغرية على المستوى التشكيلي، وربما قد تكون حالة تنظيف للذاكرة من خلال رسمه تكراراً، ليخرج أبداً من الذاكرة بشكل غير واعي.
يقف الجنرال بكامل رتبه العسكريّة الملوّنة، في فضاء أسود، ويلبس حفاضات الأطفال. ويلوّح في فضاء آخر لمسوخ أخرين يصفقون له، هم أقزام أمامه، وبشعين مثله. لكنهم على عربة مربوطة بخيط، لتتحرك عند انتهاء مهمة التصفيق.
يعيدنا عمل العربة إلى موكب عمران النحتي، الذي عرضه قبل سنوات ضمن مجموعة أعمال تعبيريّة لمسوخ حيوانية، خلق منها موكباً يحمل أشخاصه قدراً كبيراً من البشاعة والترهل، لكنهم يتحركون.
خمس منحوتات للعديد من الأشخاص، بأحجام متفاوتة ووضعيات مختلفة، نحت كل واحد منها على حدة، ثم أركبها عربات لتمضي بما يشبه الموكب فوق بساط أحمر. كان يريد يومها إسقاط موكبه على مواكب تمضي في دمشق ومدن سوريّة أخرى.
عالم محمد عمران لم يتغيّر، لكنه صار مباشراً أكثر، رغم كل ما تحمله شخوصه من استعارات حيوانية، يجمع بينها ما يخدش النفس لفرط البشاعة المتقنة.
يحمل بعض أشخاصه أيضاً ملامح ضفادع وذئاب وجرذان، في أجواء مقاربة لعالم فرانسيسكو غويا القائم على التشويه من أصل الأشياء وليس التشويه المفتعل.
السخريّة جزء مهم من أعمال عمران السابق والحالي؛ استمدها من الواقع القاسي حدّ الضحك، ومن أعمال النحات السوري ماهر البارودي الذي اشتغل كثيراً على الحيوانات ليرسم واقع يعيش فيه البشر كالأغنام.
يرى عمران أن السخرية، هي محاولة للالتفاف على العنف اليومي، بوصفها محفزاً للخيال، وليست السخرية السطحية. ويتساءل بقلق عن مدى قدرتها على مقاومة الألم، ويستشهد بأعمال غويا التي وثّقت الغزو الفرنسي لإسبانيا حينها، مثل أعمال (كوارث الحرب).
في عمل ساخر، رسم عمران رجلاً من صلب الواقع السوري، وسمّاه “مُخبر من حقبة الثمانينات”، وكأنه محاولة لهزيمة هذا الغول الذي يُعتقل ويقتل تحت مسماه الوظيفي “رجل أمن”، يقول عمران: “تحررني هذه الرسومات من الخوف القديم، وربما هي طريقة للمشاركة في الثورة عن بعد، لذلك أرسم بالإضافة الى الرسوم التي اسخر فيها من النظام والدكتاتور، رسوماً اخرى، بطلها الشهيد مثلاً، كما في عمل نحيب جنائزي، أو عمل شهيد بأربع اذرع”.
تظهر شخصيات أخرى قريبة لمفهوم المسخ أمام رأس كبير يُحاول احتضانها، ويحمل هذا الرسم اسم معارضة وطنية جداً، ويتقاطع عمل آخر مع الرسم السابق بعنوان “مجلس وطني ومجلسين حلوة يا بلدي”.
ويؤكد عمران: “قد يكون عنصر المباشرة حامل اساسي او نقطة التقاء في رسوم (بعد ١٥ اذار)، والحقيقة ان هذا لم يكن خياراً واعي تماماً، فأنا أرسم كما استقبل الاحداث، هو ليس بمثابة تعليق عليها، ولا يشبه الكاريكاتور وإن تقاطع معه”.
تتداخل الأجساد في الأعمال، مثل الواقع السوري بكل حالاته؛ يتحول الناس إلى كتل لحم متشابكة في القبور والساحات والمعتقلات. يصف ذلك: “تتقاطع الأجساد و الأشكال في اعمالي، مُكونة فضاءات تتيح فرصة اضافية للخيال، وهنا في مساحتي الجديدة، ربما يبدو تميز الرسم عن النحت، هذا يقودني للإجابة عن سؤال العلاقة ما بين النحت والرسم في اعمالي”.
لم ينحت عمران منذ أول الثورة تقريباً، لكنه الآن يكثّف بحثه في الرسم، واكتشاف أدوات قد تبدو بسيطة كقلم التخطيط والأحبار. فالرسم يلبي حالة التشويش الذهنية التي يعيشها لكثافة الصور و المعلومات التي يتلقاها يومياً عن طريق الإنترنت، ككل السوريين في وقت الموت الكثيف.
لا بشاعة توازي الواقع السوري، لذلك قد يتعجّب من يتصفح أعمال عمران وصفها بالواقعيّة، فالصور الفوتوغرافية المُلتقطة من الحارات السوريّة، تتطابق مع هذه الأعمال المجنونة.
317965_10151352372904089_2114238491_n

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s