فحم يوسف عبدلكي الأبيض

عامر مطر 

قيود، ووحدة، وفحم: أدوات يستعين بها الفنان السوري يوسف عبدلكي دائماً لخلق لوحاته المنتمية إلى مجموعة  الأخيرة “طبيعة صامتة”، التي يرسمها منذ أربعة عشر عاماً، وعرض مؤخراً آخر ما أنجزه منها في “صالة الشعب” وسط مدينة حمص السوريّة.
لا تزال الأسماك بدلالاتها القاسية تظهر مقطّعة، ومثقوبة في بعض أعماله؛ ويبدو أن الفنان لا يريد التخلص من السمكة على رغم حضورها المتكرر في لوحاته، لأنها غير قابلة للاستنفاذ بكل تفاصيلها؛ حدقتاها المفتوحتان حتى بعد الموت، ولمعة حراشفها تستفزه الى حد الرسم.
العصفور أيضاً، يواجه الموت وحيداً، وميتاً وسط فراغ شاسع، أو مع سكين يكبره حجماً. هذا التناقض المذهل في اللوحة، بين رقّة العصفور وقسوة السكين، يجبر المتلقي على الإحساس بعدم موته على رغم موته، وبقدرته على مواجهة الموت سواء من خلال رميه في مركز اللوحة، أو من خلال مقابلته للسكين.

اشتغل عبدلكي طوال الفترة الماضية على هذه العناصر لأنها مثله؛ معزولة عن محيطها، كالسمكة الملقاة في فراغ اللوحة، والصبارة، والزنبقة. فهو الفنان المنفي لأكثر من ربع قرن عن بلده، والحق أن لوحات الفحم هذه، ليست إلا غربته التي تسربت إلى فنّه، إذ خرج من سوريا عام 1980، وعاد إليها للمرة الأولى بعد الغياب عام 2005، وأقام معارضاً عدّة فيها، كان اولها في خان أسعد باشا.

الجلوس في مرسم يوسف عبدلكي الدمشقي في حارة الورد، يشبه  الجلوس في إحدى لوحاته بطريقة ما، إبريق الشاي، والسكرية، والفواكه، والصحون التي يستعملها كالتي يرسمها.
لكن، تختلف بعض عناصره في اللوحات عن الموجودة في المرسم، إذ رسم فرشاة رسم مثقوبة وعلقها منذ أشهر على جدران غاليري الأندى وسط عمّان. حتى الفرشاة لم تسلم من القمع، فاحتجزت بمسمار. القمع يخنق ويحتجز كل المخلوقات والأشياء في عوالم عبدلكي، حتى أكثرها براءة ومسالمةً.
في لوحة أخرى، تحتجز دبابيس ماسورة ألوان مستعملة، لكن الدبابيس أضعف قدرة من الاحتجاز، وهذا تحدٍّ جديد، أمام عنصر جديد الظهور في عالم طبيعته الصامتة.
شكّل السكين عنصراً مشتركاً في بعض اللوحات، في اختراقه حوض الصبارة، ووحدة قطعة البطيخ، وحبة الرمان. السكين يوحي بفعل يتعدى القسوة؛ هو أداة مرافقة للموت والعزلة اللذين يلازمان عناصر رقيقة، لا يحتاج التعامل الطبيعي معها سكيناً بهذا الحجم.
يمثل كل من العناصر السابقة لوحة سعى الفنان بها إلى أقصى الفحم، وإلى أقصى الضوء، ليصور بلداناً أكثر عتمة من فحمه، وأنظمة سياسية بقسوة سكينه.
الجديد في معارضه الأخيرة؛ الملمس الخشن للخلفية، كتقنية لم تظهر في أي من معارضه السابقة، عدا ذلك، لا تزال الموضوعات البسيطة تشكّل لوحاته المحمّلة دلالات عميقة.
لكن لماذا يشتغل عبدلكي على العنصر نفسه في لوحات عدة؟ يجيب: “الفن لا يحتمل التكرار بالمعنى الحقيقي، وإذا كان الفنان يتعامل مع العمل الفني بجديّة، فإنه يستطيع أن يوصل في كل عمل رسالة بصرية وإنفعالية جديدة ومختلفة. فالشغل على موضوع واحد يجري بطريقة متجددة، تالياً سيشعر الفنان عند انجازه العمل، بأنه في حاجة الى ايصال إحساس أعمق، أو الوصول إلى نقطة أبعد”.
الفراغ في اللوحات، عنصر أساسي، وشاسع، يشكل بسيطرته على اللوحة لغزاً يختلف من لوحة الى أخرى، لكنه أخذ شكلاً جديداً في بعض لوحات الجديدة، إذ ظهر على هيئة ضربات فحم تحيط بالكتل.
الآن يفكر الفنان في مشاريع عدّة حلم بتحقيقها طوال فترة نفيه، ربما يكون أولها رسم الطبيعة، وتضاريسها، وحركة الضوء في بلده. وربما يبدأ بالعمل على فكرة الموت.
يوسف عبدلكي، من مواليد القامشلي “شمال شرق سورية” عام 1951م، أقام الكثير من المعارض الفردية في مختلف عواصم ومدن العالم منذ العام 1973 وحتى اللحظة، مثل القاهرة، وتونس، وعمان، وبيروت، ودبي، وصفاقس، والمنامة، وباريس، والإسكندرية، والكويت…وغيرها، كما شارك في معارض جماعية في بغداد، وبرلين، وباريس، والقاهرة، ولندن، وبيروت، وتايوان، وهامبورغ، وجنيف، والشارقة وغيرها…

دمشق ٢٠١٠

صورة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s