سينما حتى الموت… عن باسل شحادة

عامر مطر

لم يُغلق عدسة الكاميرا بعد، المشهد مُستمر، هو ينام في التابوت ورفاقه يحملون صوراً لابتسامته. ويُغنون: جنّة، جنّة، جنّة… هم يرقصون حول الشهيد، وهو يتنفس في كل الصور.

قبل أيام، كان المخرج السينمائي باسل شحادة يمسك كاميرته في حمص، ويلتقط التفاصيل، ينتزع من الموت مشاهد للحقيقة، ويعلّم الشبان هناك، كيف يتعاملون مع العدسة كما ينظرون من عيونهم، لأن العالم يرى من خلالها أحلامهم بالحريّة.

لكنه الآن في تابوت، وكاميرته بعيدة ومقتولة مثله، بفعل قذيفة (لحماة الديار) سرقت حياته، وجزءاً من الحقيقة القاسية  في حمص.

يقف مغني الثورة عبد الباسط الساروت قرب التابوت، ويحمل لافتة مكتوب عليها: “يا يسوع… يا يسوع، عن ثورتنا ما في رجوع”. ولا يزال المشهد مستمراً، ويرقص الجميع، وهو يتنفس في الصور.

تعيدني لافتة الساروت إلى أوّل الثورة، ليلة 28 كانون الثاني 2011، حين غنّى شهيد السينما السوريّة: “هبّي يا رياح التغيّير”، مع العشرات من أصدقائه أمام السفارة المصريّة في دمشق.

حين بدأ أول الصوت المصري في الساحات، كنّا نتأمل حناجرنا، ونخاف أن نموت من الحسرة. قلنا حينها، أنا وباسل وثلاث صديقات، أن مجرد اشعال الشموع أنفع من الصمت، وقد تتحول الشمعة إلى صوت.

دار نقاش طويل مغلق على الفيس بوك، واتفق الخمسة على دعوة الأصدقاء لإشعال الشموع أمام السفارة، للتضامن مع شهداء الساحات المصريّة. مسّنا الجنون الجميل حينها، وأرسل باسل الدعوة من هاتفه الخليوي إلى الأصدقاء، رغم الحذر من استفزاز نظام يرتجف خوفاً من رياح التغيير.

وصلتُ ليلتها مع لافتات صغيرة كُتب عليها “نعم للحريّة”، للتضامن مع شهداء الساحات الحالمة بوطن حر. كان الحضور الأمني كثيف، وباسل يقف مع ابتسامته قرب المكان ينتظرنا مع مجموعة من الأصدقاء. فطلب عناصر الأمن منه تفاصيل بطاقته الشخصية، ليراجعهم صباح اليوم التالي.

شموع، ولافتات، وأغاني تحلم برياح التغيير… من هنا بدأت الثورة برأيي، لأن السوريين لم يغادروا الشوارع بعدها، وربما خجلت الريح من حناجرنا، وجاءت إلى سورية.

وصلت الريح إلى كل الشوارع السوريّة، وسرقت أصدقاء كثر، آخرهم باسل، وكنت أتمنى لو متّ قبلهم في ساحة ما، أو في زنزانة ما؛ خير من العيش بذاكرة تشبه المقابر الجماعيّة.

لكني استعيد ابتسامة باسل، وصوت الموسيقي ربيع الغزّي الذي قتلوه قبل أيام أيضاً… فأمسك بأحلامهم وأفكّر بالعودة من ألمانيا إلى سوريا، كما فعل شهيد سينما الثورة، الذي ترك منحة لدراسة السينما في الولايات المتحدة، وعاد لأن الثوّرة تُعلّم أكثر.

كان القرار حكيم، فلتوثيق الملحمة، متعة استثنائية؛ أن يصوّر السوري حلمه بكاميرا، ويواجه رصاصة قناص دون خوف، لأن الموت جميل في الشوارع، ولأنه من أول مفردات الثورة “الموت ولا المذلة”.

يتحدث نصف السوريين الآن بلهجة الوصايا، فكل الأفعال تؤدّي إلى الموت، أو إلى الغياب بشكله السوري الغريب، لكن الموت أجمل، هذا ما قاله لي مُسنّ حوراني في سجن القابون العسكري.

قال باسل لصديقته في آخر زيارة له إلى دمشق، أن موته قريب ويفضل العودة إلى حمص، إذ أحسّ بالغربة في دمشق بعد تجربة حياة الحريّة في مناطق الثورة المحررة.

صدق حدسه بالموت، ولابد أن يتحقق حلمه بسورية الملوّنة والديمقراطية.

أتخيل شكل الفيلم الذي صوّره في حمص، ولم تتح له الحياة إكماله، كان يلاحق أبطالاً لا نعرفهم، كما أسرّ لحبيبته. يوثّق يوميات حمص القاسية، لتخرج مبتسمة في فيلمه.

أتذكّر فيلم “بونجور” الذي أخرجه قبل الثورة بسنة، وكنتُ جزءاً منه، حين كان يعمل معنا في مخيمات السوريين المهجرين من الشمال إلى الجنوب بفعل الجوع والجفاف والإهمال، أشاهده للمرة المئة واستغرب، كيف استطاع تحويل القهر إلى فرح!

أخاف من ذاكرتي، وأعلّق على جدار غرفة نومي صورته دون شريط أسود، في محاولة لاستعادة الشجاعة، وتقليد صديقي الشهيد، أن أترك كل الأشجار والشوارع هنا، وأحمل كاميرتي إلى شارع سوري، تتحقق الأحلام فيه كل يوم.

 

جريدة الحياة

الأحد ٣ يونيو ٢٠١٢

http://alhayat.com/Details/407521

صورة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s