جدران البرزخ المزدحمة… شهادة عن السجن والعمل الصحافي

484336_10151183635827656_1278861032_n
عامر مطر
نزلنا إلى السفارة المصريّة في دمشق، مساء 28 كانون الثاني 2011 بحجّة التضامن من الساحات هناك، لكنّا هتفنا: “هبّي يا رياح التغيير”، رغم أن الدعوة كانت مجرد وقفة لإشعال الشموع على أرواح شهداء الحريّة هناك.
اخترت هذه الصيغة مع أربعة صحفيين وصحفيات كي لا نستفز النظام السوري، رغم ذلك كان الحضور الأمني كثيف أمام السفارة، ومنعونا من رفع لافتات مكتوب عليها: “نعم للحرية”.
تلك اللحظة التي صنعها أكثر من مئتي مثقف ومثقفة؛ تُمثّل لحظة البداية الحقيقية للثورة برأيي، لأن السوريين لم يغادروا الشوارع بعدها. لكن، لكل مدينة قصّة مختلفة مع الثورة، فأشكال القمع متعددة وكثيرة، ولكل مواطن سوري عشرات الأسباب للخروج في مواجهة نظام قمعي قتل وعذّب الشعب خلال عقود.
بعد عشرات الوقفات الانتحارية في ساحات دمشق، خرجت مجموعة من الدعوات ليوم غضب سوري ضد الطاغية، فكانت مظاهرة 15 آذار التي تعبّر إعلامياً موعد إطلاق ثورة الحريّة على الحكم العسكري الفاسد.
يومها، تجمّع عدد كبير من الصحفيين في بيتي، في انتظار الأصدقاء القادمين من مكان المظاهرة الصغيرة في سوق الحميديّة، لأن التواجد في تلك المنطقة خطر جداً، لفرط شراسة رجال الأمن في بلادنا.
صباح اليوم التالي، تجمعنا في نقطة قريبة من وزارة الداخلية، للتوجه إلى الاعتصام المطالب بالمعتقلين أمامها، وصلت حين بدأ العنف؛ هجموا علينا كالمجانين، يحملون صور الرئيس السوري بشار الأسد ويهتفون له أثناء ضرب الناس بالهراوات.
بدأ جنون النظام من تلك الساعة، فاعتقل الأطفال في درعا لأنهم كتبوا على جدران مدرستهم: “الشعب يريد إسقاط النظام”، وبدأ الموت في المدينة بكثافة بعد أيام من حادثة اعتقال الأطفال وما تلاها من توجيه إهانات لشخصيات كبيرة في المدينة، على لسان عاطف نجيب، وهو ابن خالة الرئيس ومسؤول الأمن في المدينة، ما دفع شباب درعا للخروج إلى الشوارع، وترديد كلمة: “ثورة… ثورة”.
كانت أرقام القتلى تكبر بالعشرات والجنازات تسيطر على شوارع الجنوب السوري يومياً، في حين كان المؤيدين للنظام يرقصون ويحتفلون في شوارع دمشق يومياً نكاية بالموت.
كان بإمكان النظام مواجهة الغضب الشعبي بالحكمة والعقل، لا بالرصاص والاعتقالات والسخرية… كنت أشّتم روائح الدم من المواكب الاحتفالية الموالية للموت. لم يكن بشار أفضل من أتباعه، تصرّف بعنجهية طاغية.
كان يضحك على بعد أمتار من بيتي، وكنت أتعرّض للتعذيب في غرفة نومي. وتُبعثر أحذية السجانين ملابسي ودفاتري في 28 آذار 2011. كان الديكتاتور يضحك بصخب في مجلس الشعب السوري، وكان صوت ألمي عالياً في شارع العابد الدمشقي. ضحك عشرات المرات في خطابه الأول رغم عدد القتلى الذي تجاوز المئات، ما زاد التوتر في قلوب السوريين.
أما أنا، رموني في منفردات متعددة، وعرفت أبسط أنواع التعذيب. “الكرباج”، لأن العمل الصحفي في سوريا بمثابة أبشع الجرائم. كان محقق فرع أمن الدولة يقرأ مقالاتي ويشتمني.
حين نقلوني مرّة، من قسم لآخر، سألني ثلاثة سجانين عن جريمتي، فأخبرتهم: “صحفي”، وبدأ الضرب العنيف. ضحكوا في نهاية التعذيب وقال أحدهم: “عم تصعّبوا علينا الكلمات المتقاطعة يا حيوانات”.
فالبرزخ، هو التعبير الأنسب لعالم الفروع الأمنية السوريّة… أن أعيش الموت في حيّز ضيّق مغلق؛ بين عالمين. أعيش الموت فيهما.
دخلت إلى منفردتي، وبدأت أفكّر بمادة صحفيّة عن كوميديا العتمة، عن حجم المواقف المضحكة لفرط غباء المحقق ورجال التعذيب والسجانين… كانوا أغبياء لدرجة الضحك.
جلدوني مرّة بسبب عملي في جريد النهار اللبنانية، لأن الأزرق، هو لون اللوغو، ولابد أن تكون اسرائيلية كونها تحمل لون العلم الاسرائيلي، وبالتالي أنا عميل للموساد؛ أكتب للنهار، ولا أعمل مع تلفزيون الدنيا أو جريدة الثورة.
الجدران المزدحمة
الجدران مجنونة هناك، تزدحم بالأسماء والتواريخ والآيات… وآثار لدم قديم، من أثر ضرب الرؤوس عليها.
ألمس تعرجات اسم قديم مكتوب وسط الجدار، وقربه تاريخ الاعتقال (1986)، كنت في بطن أمي حين كتب هذا الرجل اسمه. هل مات الآن؟ ولماذا سجنوه هنا؟ فكرتُ لحظتها بتلك الأسئلة، وشعرت بغبائي؛ فلابد أن يمرّ كلُّ سوري على هذه الزنزانات في دولة البعث.
فكّرتً بكتابة اسمي على ذات الجدار، وخفت من مصير رجل لا أعرفه… حاول تخيل أصوات اللذين مرّوا قبلنا، وسندوا ظهورهم ووجوههم على هذه الجدران، فتخرج أصوات التعذيب الحيّة… التعذيب قائم في غرفة مجاورة. صوت الألم لا يتوقف.
محال أن يخلو جدار زنزانة من اسم الله، أو آية، أو دعاء، أو اسم معتقل؛ في منفردات تشبه القبور من حيث الحجم الضيّق، والعتمة المخيفة. كتبت اسمي مثل الجميع، على جدار المنفردة؛ علّ أحدهم يمرّ ويخبر أهلي عن مكان وجودي، إن متُّ أو بقيت في تلك المقبرة.
لم أُقتل هناك، وبقي اسمي على الجدران المزدحمة ببقع الدم والأسماء والآيات، فشعرت بالذنب حين خرجت؛ لماذا حمّلت اسمي للعابرين بعدي…
الوجه السوري الجديد
خرجتُ بعد 16 يوم من العتمة والكوميديا المرافقة للتعذيب، وسافرت إلى الرقة، مدينتي في شمال شرق سوريا. وجدت العشرات في انتظاري هناك، استقبلوني كالفاتحين بالأزهار وعبارات التعظيم، ما دفع بعض زملائي الصحفيين للكتابة عن التغيّر الذي صنعته الثورة في المجتمع، وطريقته الجديدة في التعامل مع المسائل.
كان الأخ يخشى التواصل مع أخوه الخارج من الاعتقال، خوفاً من مصير السجن، والآن صار بيتنا مزاراً للحديث عن الحريّة.
بعدها، عدت إلى عملي في تغطية الثورة. وكتبت وصيي إلى أبي: “اطلب ديّتي حياتي. قل: أريده حياً هنا. وادهن باب بيتنا بدمي. واغسل جثتي بالغيم الذي أحبه، ثم ادفني في مقبرة واسعة، مزدحمة؛ لأرفع رأسي بين الأموات”.
انتهت الوصيّة، أن “أطلب ديّتي حريّتك”. ونزلت إلى الشارع مع الآلاف، لأن العمل الصحفي، قد يساعد في تحقيق الحلم السوري بالحريّة.
بدأ الإحساس بالحاجة لكيانات تجمع الناس للتنسيق بهدف التظاهر في أول نيسان تقريباً، فظهرت عشرات التجمعات المسماة: “تنسيقيات”، وهدفها جمع المتظاهرين وتنسيق جهودهم.
التنسيقيات كيانات مغلقة وغير مفتوحة للغرباء، فهي تجمع أبناء الأحياء والحارات والأصدقاء، كما ظهرت بعدها تنسيقيات لأصحاب الاختصاصات المتقاربة، كالأطباء والطلاب والصحفيين.
وأخذت التنسيقيات على عاتقها منذ البداية مهمّة التغطية الإعلاميّة للمظاهرات، بعد أن فرض النظام حصاراً إعلامياً خانقاً، ومنع كل وسائل الإعلام العربية والعالمية من دول البلد.
ويمكن القول أن هذه الكيانات هي الممثل الحقيقي للثورة، لأنها تضم كل الفاعلين حقيقة على الأرض، كما أنها تمثل حاجة الشباب إلى التعبير عن آرائهم السياسيّة في ظل فشل أحزاب وتكتلات المعارضة التقليدية عن تمثيلهم، وعدم تلبيتها لرغبات وتطلعات الشارع المنتفض بتقديم وجه سياسي ناضج يمثل الثورة.
علماً أن كل اجتماعات التنسيقيات سريّة، وتحصل غالباً من خلال موقع السكايب، وأحياناً على الفيس بوك الذي لعب الدور الأكبر بالتواصل بين أفراد التنسيقية.
بعد مرور أشهر على الثورة، واقتصار التغطية الإعلاميّة على مشاهد الفيديو التي يصورها يومياً شباب التنسيقيات، أسست مع مجموعة من الصحفيين السوريين المستقلين مؤسسة الشارع للإعلام والتنمية، بهدف نقل التغطية من إطار الخبر السطحي، إلى العمق، من خلال تصوير يوميات الثورة والموت.
بدأت “الشارع” بتوثيق ما يجري في مواقع الأحداث، من خلال العمل على صناعة أفلام وثائقية، وتأسيس شبكة أخبار منتشرة في كل المدن السورية، والعمل على مواد استقصائية صحفيّة من مواقع الحدث.
أجرى فريق العمل أكثر من خمسين مقابلة تلفزيونيّة مع أهم الشخصيات المؤثرة في الساحة من المعارضة.
وعملت المؤسسة على إنتاج برنامج: “حوارات من الساحة السورية” الذي عرض على قناة العربية، وعرض مجموعة من المقابلات التي صورنها بالسرقة، عن عيون أجهزة الأمن.
كما تم انجاز مجموعة من الأفلام، منها: «تهريب 23 دقيقة ثورة» وهو أول فيلم صوّر عن الثورة السورية، يُقدّم شكل الأحداث في حماة قبل دخول الجيش السوري إليها، وعرض على قناة العربية.
كما فيلم «حماة 1982 حماة 2011» الذي يقارب بين مجزرتين ارتكبهما النظام، ومجموعة من التقارير التي تصوّر قصص من مدن سوريّة مختلفة.
ذهلتني حماة، كل التفاصيل غريبة في أول مدينة سوريّة تخرج عن سيطرة النظام، كل الناس يهتفون للحرية في كل مكان وفي كل وقت… رغم الجرح الذي تركته المجزرة التي ارتكبها الأسد الأب، وراح ضحيتها 40 ألف إنسان.
في مقبرة المدينة، قبور مفتوحة لشهداء جدد، قد يقتلهم رصاص الأمن في مظاهرة قادمة، وينظمون إلى المئات تحت التراب. في تلك اللحظة، داخل المقبرة، سألتني شريكتي في الفيلم عن رأيي بثورة حماة، فأجبتها: “هي جنازة لا تمشي باتجاه المقبرة، بل نحو المستقبل”.
أما في القامشلي، صوّرت الوثائقي «آزادي» في آب (أغسطس) من 2011، ويحكي عن المناطق الكردية الواقعة شمال سورية بالثورة. حاز الفيلم على الجائزة الفضية في مهرجان روتردام المصري، بعدما جسّد يوميات من الثورة. وعرض على تلفزيون فرانس 24.
واجهت كرهاً غريباً في منطقة الأكراد الشماليّة، إذ قال لي مُسن كردي في أول بيت أدخله هناك: “لو يعجنوا لحمي بلحم العرب… لنفصل لحمي”… فاجأتني العبارة التي تختزل علاقة العرب بالأكراد هناك.
الثقافة الكريّة ممنوعة، وزراعة الأراضي، والتملّك… وكل شيء، حتى الكلام بالكرديّة ممنوع، ما خلق حقد مع النظام البعثي الذي يسوّق نفسه باسم العروبة.
لكن شباب المنطقة، لا يحملون عُقد أباءهم بفعل الثورة، فيخرجون إلى الشوارع في مظاهرة واحدة مع شباب التنسيقيات العربية، ويهتف الجميع باللغتين، لأن الظالم واحد، ولأن الشعب السوري واحد، كما يهتفون.
تصوير الأفلام أشبه بمجازفة قد تؤدي إلى الموت، لأن القناصين المنتشرين على أسطحة البنايات يستهدفون المصورين، ومن تريد أجهزة الأمن اغتيالهم. لذلك لابد من استخدام كاميرات صغيرة الحجم، والتصوير وسط الجموع بطريقة غير مثيرة للانتباه.
اعتقلتُ بعدها، في كمين نفذه عناصر الأمن العسكري في دمشق، ليلة 3- 9- 2011. اعتقلوا مجموعة من الأصدقاء وضربوهم للوصل إلي، إذ أجبروهم على الاتصال بي لمقابلتهم دون علمي باعتقالهم.
خطفوني من الشارع ليلتها، وضربني العناصر كثيراً لمعرفة موقع منزلي، وبالتالي مصادرة كل أجهزة العمل. لكن صبري الصغير أنقذ بيتي.
أثناء التحقيق، نفر الدم من رأسي للحصول على اعترافي بقبض مبالغ مالية من قناة العربية مقابل عملي، صبري الصغير أنقذني مجدداً من البوح بأسرار قد تؤذي المؤسسة وتؤذيني.
لكني خرجت من غرفة التحقيق بجرح في رأسي، وآثار كثيرة للسياط وأقدام المحققين. كان المحقق يُصرُّ على انتزاع اعتراف إجباري أن ما نفعله هو تضليل إعلامي، وأن كل ما ينشره الإعلام العالمي كذب. كان يقف على ظهري ويحاول اقناعي بإنسانيتهم.
لم أصادف متطرفين في الزنزانات الضيقة، قابلت عشرات الشبان والمسنين في عدد الأيام القليلة، لأن أعداد المعتقلين تتجاوز المئات في المكان الذي يحتجزني… كلهم بسطاء، فقط يحلمون بوطن لا سجون للأصوات فيه.
بعد 54 يوم تحت الأرض في الفرع التعذيب العسكري ذاك، أرسلوني إلى القضاء العسكري في دمشق، ليشتمني القضاة هناك، ويرددون: “تستحقون الموت”، لأنني صحفي يخون وطنه.
في زنزانة المحكمة، سلّموني ورقة صغيرة، كتبوا عليها تهمتي: “إذاعة أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسيّة الأمة”، وهي مادة في قانون العقوبات السوري يصل حكمها إلى 15 عام من السجن. وغادرت مُكبلاً إلى سجن دمشق المركزي مع مذكرة التوقيف.
وجدت هناك أصدقائي اللذين اعتقلوا قبل شهر من اختطافي، وأخبروني أن فيلمي “آزادي”، فاز بجائزة.
حاولنا ادخال كاميرا صغيرة إلى السجن، وفشلنا. فكتبت مع أحدهم تحقيقاً صحفياً عن السجن. لأن الأوراق والأقلام مسموحة في السجون المدنية. فلابد من الثورة حتى خلف القضبان.
في الزنزانة، أشفقت على أبي، الذي يحمل وصيّتي كل الوقت في جيبه، فأرسلت إليه: ” لا يخاف الرجال على الرجال يا أبي، كما لا يخاف الأحرار على الأحرار. أضربت عن الخوف، وكتبت إليك رسالة حياة، ضد الوصايا والموت. فمن مَسّته الثورة، يصير أغنية لا تُكسر”.
أضربت عن اليأس أيضاً حينها، وعملت مع أحد شركائي في الثورة والسجن، على مشروع احتفالية الشارع السوري. فسجونهم أصغر من مساحات أحلامنا.
خرجت في الرابع من كانون الثاني 2012، بعد أن صادر الأمن السوري كل كاميرات المؤسسة وأجهزتها، واعتقلوا أغلب كوادرها. “صرنا على الحديدة”، بحسب تعبير السوريين.
حاولنا اعادة تفعيل دور مؤسسة الشارع، وتنظيم احتفالية “الشارع السوري”. بمناسبة عام على بدء الثورة. امتدت الاحتفالية من 15_ 22 آذار، موزّعة على عدّة أماكن وساحات داخل سوريا، وساحات في عواصم عالمية. وتعرض فعاليات ثقافية وفنيّة متنوعة: سينما ومسرح وموسيقى وتشكيل وتجهيز بالفراغ. لكننا لم ننجح بالقدر الكافي. لأن الإعلامي العربي يتجاهل هذا النوع من النشاط الثوري؛ في محاولاتهم لعسكرة الثورة السورية وتسويق فكرة التسليح.
أتذكر حين أتصلت بي صحفيّة من قناة الجزيرة، بعد ارسال البيان الصحفي للاحتفالية الذي يتضمن أسماء الناطقين الإعلاميين فيها، وهم: “السينمائي أسامة محمد، والشاعرة رشا عمران، والكاتبة ريما فليحان، والصحفي عمر الأسعد”. قالت الصحفيّة لي حينها: “لماذا كلهم دروز وعلويين، ولا ما في سنّة بينهم”، فاستغربت موقفها الذي يمثل مؤسستها. فلم تتصل بي بعدها، أو بهم… ولو تنشر الجزيرة خبراً واحداً عن الاحتفاليّة على شاشتها.
تم تصوير عدّة أفلام بعد السجن، منها فيلم يصوّر معارك الزبداني التي قامت بين الجيش الحر والجيش النظامي. وأفلام عن سلميّة الثورة وحركات النضال اللاعنفي التي تستعيد روحها بعد عام من الثورة. وسيظل عمل المؤسسة مستمراً، في صناعة مواد إعلاميّة تحاول تجاوز إطار الخبر السريع، بحيث تعرض يوميات الناس وتفاصيل صناعتهم للثورة.
أحاول البقاء خارج السجن قدر الإمكان، لكنهم اعتقلوا أبي مدّة عشرة أيام، لأسلّمهم نفسي مجدداً، ولأنه انجب صحفياً مجرماً؛ يُحاول تصوير الحقيقية مع مجموعة من زملائه. مثل آلاف السوريين الذين يحملون الكاميرات في هواتفهم الجوالة لتوثيق الحقيقة، والموت اليومي.
بعد سنة من العمل الكثيف، خرجت إلى درعا، لأعبر الحدود السوريّة عبر واحد من المنافذ التي يتسلل منها الثوار إلى الأردن. الخطوات هناك قريبة من الموت، ومؤلمة لأنها مشبعة بأحاسيس الهرب.
قبل الساتر الترابي الذي يمثل الخط الحدودي، خرجت كل الصور دفعة واحدة، حينها شعرت باقتراب الموت، لكني بقيت حيّاً، وأعيش في منفاي موتاً مختلق.
في الأردن، يهطل القهر على السوريين دون توقف؛ مخيم الرمثا للاجئين أشد بشاعة من السجن. إذ لا طعام هناك، ولا ظروف صحيّة تناسب عيش البشر.
كتب الأطفال على جدران المخيم القذرة لفرط الإهمال “سيسقط بشار”، ما أعادني إلى جدران مخيمات الشعب الفلسطيني، وحلمه بالعودة. كل التفاصيل تشي بالجرائم والمجازر التي ارتكبها نظام بشار الأسد ضد الشعب؛ وجوه الناس الحزينة، أيديهم المقطعة، وأثر الرصاص في الأجساد.
اليوم، أكتب شهادتي بعد وصولي إلى ألمانيا بأسابيع، وأحسُّ أن لي رائحة الأسماك الميتة المرميّة في لوحة للفنان السوري يوسف عبدلكي. بدأت الغربة تتسرب إلى علاقتي بكل الأشياء والوجوه هنا.
فما قدمته، هو أقل بكثير من الثمن الذي قدمه آلاف السوريين، وأقل من حجم الحلم ببناء سوريا الحرّة المتطورة، هذا ما كنت أردده دوماً في زنزانتي، وأردده الآن في المنفى.
عند كل مدينة جديدة استكشفها هنا، أحسّ بالشماتة من السجانين اللذين عذبوني وشتموني كثيراً، فلا شيء مغلق أمامي الآن، السماء مفتوحة على سماوات أخرى، وهم تحت الأرض هناك.
أتذكر وجه السجان “أبو وسيم” الذي يجلس الآن في ممر سجن الأمن العسكري، أستعيد صوته البشع حين سألني مرّة عن سبب نزولنا إلى الشوارع، فأجبته: “لإخراجكم من هذه السجون”، فاستغرب، وصفعني ومضى…
أكتب شهادتي عن عمل عام من تغطية الأحداث وصناعتها من أماكن بعيدة، في حين يركض العشرات في هذا اللحظة من زملائي بين أزقة حمص وحماة وإدلب. أجلس في بيتي، ويرقد الكثير من زملائي الصحفيين في قبورهم بفعل رصاص النظام السوري؛ لذلك أخجل من بيتي ومن كلماتي.

حزيران 2012

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s